عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

766

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

قوله " قل تراثه " فسره الإمام أحمد وغيره ميراثه بعد موته ، يعنيان ما يخلف من الدُّنْيَا بعده يكون قليلاً نزرًا يسيرًا ، هذه سنة الأنبياء - عليهم السلام - كما في حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ » ( 1 ) والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخلف إلا آلات الجهاد ؛ ففي الصحيح عنه أنَّه لم يخلف إلا سلاحه وبغلته وأرضًا جعلها صدقة ( 2 ) . ولما احتضر أبو بكر الصديق قال لعائشة - رضي الله عنها - : " يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم دينارًا ولا درهمًا ، ولكنا أكلنا من حريش طعامهم في بطوننا ، ولبسنا من خشن ثيابهم عَلَى ظهورنا ، وإنه لم يبق عندنا من مال المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي ، وهذا البعير الناضح ، وجرد هذه القطيفة ، فإذا مت فابعثي بهن إِلَى عمر . فلما جاء الرسول إِلَى عمر بذلك ، بكى عمر ، وقال : رحم الله أبا بكر ، لقد اتعب من بعده . ولما احتضر عمر بن عبد العزيز قال : لا تتهموا الخازن فإني لا أدع إلا إحدى وعشرين دينارًا ، وصَّى منها بوفاء ديون ، فلم يبق لورثته سوى أربعة عشر دينارًا ، هذا وجميع مملكة الإسلام تحت يديه . ودخلوا عليه في مرض موته وعليه قميص قد اتسخ جيبه وتحرق ، فَقَالَ مسلمة بن عبد الملك لأخته - وهي زوجة عمر : ناوليني قميصًا سوى هذا حتى يلبسه أمير المؤمنين فإن الناس يدخلون { عليه } ( 3 ) . فَقَالَ عمر :

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود برقم ( 3641 ) ، والترمذي برقم ( 2682 ) ، وقال : لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة ، وليس هو عندي بمتصل ، هكذا حدثنا محمود بن خداش بهذا ، وإنَّما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة ، عن الوليد بن جميل ، عن كثير بن قيس ، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا أصح من حديث محمود بن خداش ، ورأي محمد بن إسماعيل هذا أصح . اه - . وأخرجه ابن ماجة برقم ( 223 ) عن أبي الدرداء مطولاً . ( 2 ) أخرجه البخاري في عدة مواضع منها ( 2873 ) . ( 3 ) في الأصل : عَلَى ، وما أثبته أنسب للسياق .